عن المشروع

ماذا لو كنا قد أسأنا فهم الكتاب المقدس؟

منذ آلاف السنين يحاول الناس فهم ما جرى في الأزمنة التي يرويها الكتاب المقدس. يدرس المؤرخون المصادر المكتوبة والاكتشافات الأثرية، ويبحث اللاهوتيون في المضامين الدينية، ويقدم الفلاسفة وعلماء النفس تفسيراتهم للروايات القديمة. لكن وراء هذا التنوع من المناهج تكمن مشكلة يسهل التقليل من أهميتها: فنحن لا نعرف دائماً الطبيعة الحقيقية للأطراف والأشياء والظواهر التي تصفها النصوص القديمة. بل إن التعريفات المألوفة قد توهمنا بأننا نعرف تلك الطبيعة بالفعل.

نقرأ عن الله والملائكة والمركبات السماوية وشجرة الحياة وغيرها من الأشياء غير المألوفة. ويستدعي كل اسم منها تصورات صاغتها الثقافة والدين وقرون من التفسير. غير أن معرفة اسم الشيء لا تعني معرفة طبيعته. فلعل الكلمات التي تبدو لنا مألوفة اليوم كانت تشير أصلاً إلى ظواهر لم يمتلك المراقبون القدماء مفاهيم مناسبة لوصفها. ولتوضيح أهمية هذا الفرق، لنجرب تجربة فكرية.

كيف تتحول مروحية إلى مركبة للآلهة

تخيل إنساناً عاش قبل ثلاثة آلاف عام ورأى ذات يوم مروحية حديثة. إنه لا يعرف ما المحرك، ولا الدوّار الرئيسي، ولا الطائرة، ولا يملك الكلمات التي تسمح له بتسمية ذلك الجسم المجهول بدقة. ومع ذلك يستطيع مراقبة ما يحدث ووصفه. جسم كبير يهبط من السماء، وفوقه شيء يدور بسرعة هائلة. يُسمع هدير يصم الآذان، ويتصاعد الغبار، ويتوقف الجسم معلقاً فوق الأرض، ثم يهبط ويخرج منه أشخاص. لا يفهم المراقب آلية عمل المروحية، لكنه ينقل أفعالها بدقة معقولة.

ثم يروي الشاهد ما رآه لشخص آخر. ومن هذه اللحظة تبدأ الرسالة الأصلية في التحول. فكل راوٍ تالٍ لا يتلقى الحدث نفسه، بل وصفاً له يفسره من خلال معارفه ولغته وثقافته وتصوره للعالم.

التفسير الأول — المعرفي. لم يسبق للمستمع أن رأى شيئاً مماثلاً، فيحاول تفسير المجهول بما يعرفه. ففي خبرته، الطيور هي التي تطير؛ لذلك يتحول الجسم الكبير الهابط من السماء إلى طائر سماوي هائل. وليس الراوي بصدد خداع أحد، وقد يؤمن بإخلاص بأن تفسيره صحيح. لكنه استبدل بالفعل جسماً مجهولاً بفئة مألوفة، وغير بذلك الوصف الأول.

التفسير الثاني — اللغوي. يسمع الراوي التالي قصة الطائر السماوي وينقلها بلغة أخرى أو بتعابير شائعة في عصره. ويتحول الوصف غير المحدد لجسم كبير إلى اسم واضح لكائن مجنح. وقد تصبح الحركة الدورانية فوق الجسم حركة أجنحة، ويتحول الهدير الميكانيكي الصاخب إلى صرخة مدوية. وتختفي بعض التفاصيل الأصلية لأن الراوي لا يدرك أهميتها أو لا يجد لها كلمات مناسبة. وهكذا يصبح تغيير اللغة تغييراً للمضمون أيضاً.

التفسير الثالث — الثقافي. تصل القصة إلى مجتمع يعرف روايات عن كائنات سماوية ورحلات عجيبة ورسل القوى العليا. ويحاول الناس مواءمة ما يسمعونه مع تصورهم للعالم. ويتحول الطائر الضخم القادر على حمل البشر من السماء تدريجياً إلى مركبة سماوية. ويحصل الحادث غير المألوف على تفسير يفهمه المجتمع، وينضم إلى رواياته المتوارثة. وعندئذ لا يعود أي من الرواة الجدد يعرف أن الشاهد الأول رأى جسماً صنعه الإنسان.

التفسير الرابع — اللاهوتي. بعد أجيال عدة تصبح القصة جزءاً من تقليد ديني. وتُفهم المركبة السماوية على أنها وسيلة انتقال لإله، ويُعد الأشخاص الخارجون منها رسله. ويُنسب إلى وصولهم هدف محدد: نقل أمر أو تحذير البشر أو إعلان إرادة القوى العليا. وهكذا يتحول وصف أولي لواقعة مجهولة إلى شهادة على تدخل إلهي. وعندما تُكتب القصة وتُحرر وتُدرج في سرد ديني، قد يُعاد أيضاً تنسيق مضمونها ليتوافق مع التصورات المقبولة عن طبيعة الآلهة وعلاقاتهم بالبشر.

التفسير الخامس — الرمزي. تمضي قرون. ولم يعد المفسرون اللاحقون يرون بالضرورة في المركبة السماوية شيئاً مادياً محدداً. بل تصبح رمزاً للحضور الإلهي أو الارتقاء الروحي أو نقل المعرفة. ويحصل الضجيج والحركة ووصول الرسل على تفسيرات مجازية. والقصة التي بدأت بمشاهدة جسم غير مألوف تُقرأ الآن بوصفها رواية عن حقائق روحية. ويعتمد معناها شيئاً فشيئاً على منظومة الرموز التي تُدرس من خلالها أكثر مما يعتمد على ما جرى في الأصل.

وفي النهاية يجد باحث معاصر أمامه نصاً قديماً عن مركبة عجيبة هبطت من السماء. ويمكنه أن يدرس لغته وبناءه الأدبي ومضمونه الديني وتاريخ تحريره وسياقه الثقافي دراسة دقيقة. وقد تكون استنتاجاته راسخة فيما يتعلق بالنص الذي وصل إلينا. لكن حتى هذا البحث لا يجيب بالضرورة عن سؤال آخر: ماذا رأى الشاهد الأول في الواقع؟

في تجربتنا الفكرية نعرف الجواب: لقد رأى مروحية. ولهذا نستطيع تتبع الكيفية التي غيرت بها التفسيرات المتعاقبة الرسالة الأولى. حصل الجسم المجهول أولاً على اسم مألوف، ثم أُدخل في تصور ثقافي وديني للعالم، وأصبح في النهاية رمزاً. وفي كل مرحلة صار التفسير أسهل فهماً للرواة الجدد، لكنه ابتعد أكثر عن الطبيعة الفعلية للجسم المرصود.

ومع ذلك كان من الممكن أن تبقى بعض الخصائص حتى بعد تغييرات متكررة: الحركة من الأعلى إلى الأسفل، والضجيج الشديد، والتأثير في البيئة المحيطة، والتوقف فوق الأرض، وخروج أشخاص. وربما احتفظت بعض النسخ بإشارة إلى دوران غير مألوف فوق الجسم؛ وهي تفصيلة لا تنسجم جيداً مع صورة طائر أو مركبة عادية، لكنها طبيعية بالنسبة إلى المروحية.

من الواضح أن هذه تجربة خيالية، وليست ادعاءً بوجود التكنولوجيا الحديثة في العصور القديمة. ففي الواقع قد تعمل أنواع التفسير المختلفة في الوقت نفسه، أو تتكرر أو تتداخل أو لا تظهر إطلاقاً. ولا يوجد تسلسل إلزامي من خمسة تحولات تمر به كل رواية قديمة. ومع ذلك يوضح المثال سمة مهمة من سمات نقل المعلومات: قد تتغير أسماء الأشياء والتفسيرات السببية والمعاني المنسوبة إلى الوقائع تغيراً كبيراً، بينما تبقى بعض أوصاف الأفعال مدة طويلة.

وهذا يفتح إمكانية بحثية. فإذا كنا لا نعرف الطبيعة الحقيقية للجسم الأصلي، فربما يجدر بنا أن نضع التعريفات المألوفة جانباً مؤقتاً، وأن ننظر في ما كان يفعله، وكيف كان يتفاعل مع محيطه، وما النتائج التي ترتبت على أفعاله. لكن ذلك يستلزم أولاً إعداد النص القديم، بالفصل بين الخصائص القابلة للتحليل والتفسيرات التي تراكمت فوقها.

ولهذا الغرض طورت منهج البقايا الوظيفية والشذوذات الارتكازية.

منهج البقايا الوظيفية والشذوذات الارتكازية

يهدف منهج البقايا الوظيفية والشذوذات الارتكازية إلى الإعداد الأولي للسرد القديم قبل إخضاعه للبحث. وهو لا يقرر ما وقع بالفعل، ولا يقدم إجابات جاهزة عن طبيعة الأطراف أو الأشياء. وتتمثل مهمته، بقدر ما يسمح النص الباقي، في فصل أوصاف الأفعال عن التعريفات والتفسيرات المنسوبة إليها، مع إبراز التفاصيل المهمة التي تتطلب تحليلاً مستقلاً.

لنعد إلى المثال. إذا تعاملنا مع عبارة «المركبة السماوية» بوصفها خاصية أصلية للجسم، فسيكون البحث اللاحق محكوماً حتماً بتصوراتنا عن المركبات ودلالاتها الرمزية. أما إذا علقنا هذا الاسم مؤقتاً، فستبقى لدينا معلومات عن الحركة والدوران والضجيج والتأثير في البيئة ونقل الأشخاص. ولن نبدأ بالسؤال عن معنى المركبة السماوية، بل سنحدد الأفعال المنسوبة إلى الجسم المجهول والخصائص الضرورية لتنفيذها.

هكذا تتشكل البقايا الوظيفية: مجموعة الأفعال والوظائف والعلاقات بين الأطراف أو الأشياء المستخرجة من السرد، والتي يمكن دراستها بمعزل عن التفسير المعتاد لطبيعتها. وهي لا تعيد بالضرورة إنتاج الملاحظة الأولى من دون تشويه ولا تضمن التعرف الصحيح على الجسم. فقيمتها تكمن في جعل المادة صالحة للمقارنة، وفحص الروابط السببية، وبناء نماذج تفسيرية مختلفة.

غير أن الخصائص الوظيفية وحدها لا تكفي. فقد تكون أهم تفصيلة هي التي لا تنسجم مع الفهم المقبول عموماً للحدث. لنتخيل أن قصة الطائر السماوي احتفظت بعبارة تفيد بأنه لم يكن يرفرف بجناحيه، بل كان فوقه جسم طويل يدور. هذا وصف غريب لطائر عادي، لكنه قد يكون خاصية أساسية لجهاز تقني معين. وإذا حسمنا مسبقاً أن القصة تتعلق بطائر أسطوري، فسيسهل إرجاع هذه التفصيلة إلى خيال الراوي. لكنها قد تكشف بدلاً من ذلك قصور النموذج المختار.

أسمي هذه التفاصيل شذوذات ارتكازية. وهي خصائص مهمة في الوصف لا تجد تفسيراً مرضياً ضمن القراءة المعتمدة، ولذلك تستحق دراسة منفصلة. ولا يثبت الشذوذ صحة فرضية بديلة، ولا يحدد وحده هوية الجسم. إنه يشير فقط إلى احتمال أن يكون التفسير المألوف غير مكتمل أو بحاجة إلى اختبار إضافي.

يؤدي عنصرا المنهج مهمتين مترابطتين. فالبقايا الوظيفية تعزل المادة التي تصف الأفعال والعمليات، بينما تساعد الشذوذات الارتكازية على ألا تضيع التفاصيل غير المألوفة حين يُفرض على السرد إطار مفاهيمي معروف. والنتيجة ليست إعادة بناء الحدث، بل مادة أُعدت للبحث وما زالت بحاجة إلى التحليل.

ومن المهم بالقدر نفسه فهم ما لا يفعله المنهج. فبعد استخلاص الحركة والضجيج والدوران ونقل الأشخاص، لا نكون قد أثبتنا أن المراقب القديم رأى مروحية. فهذا مجرد نموذج يمكن اختباره في التحليل اللاحق. وبالمثل، فإن الإعداد الأولي للنص الكتابي لا يثبت وجود BON (مصطلح خاص بالمؤلف يشير في هذا الكتاب إلى شكل من الوجود والوعي يختلف عن الحياة البشرية المادية)، ولا الطبيعة التقنية لعدن، ولا أن تاريخ الشعب المختار كان خاضعاً للإدارة. فلا يمكن الوصول إلى مثل هذه الاستنتاجات إلا بعد دراسة المادة المعدة، ومقارنة التفسيرات، وتقييم مدى توافقها مع مجمل المعلومات.

لذلك أميز في عملي بين ثلاث مراحل واضحة: الإعداد الأولي للنص، والتحليل اللاحق، وبناء إعادة بناء وظيفية. فالمنهج لا يحل محل البحث ولا ينبغي أن يحدد نتيجته مسبقاً. إنه يسعى إلى تقليل تأثير التفسيرات المتراكمة في المادة الابتدائية، وإتاحة البحث انطلاقاً من موقف أكثر انفتاحاً.

لماذا يكتسب الإعداد الأولي أهمية خاصة في دراسة الكتاب المقدس؟

في تجربة المروحية كنا نعرف الطبيعة الحقيقية للجسم مسبقاً، ولذلك استطعنا التمييز بين خصائصه الفعلية والتفسيرات اللاحقة. أما مع الكتاب المقدس فالوضع أصعب بكثير: فنحن لا نعرف طبيعة كثير من الأطراف والأشياء والظواهر التي تصفها نصوصه. ومع ذلك نستعمل تعريفات مألوفة كما لو أنها تمنحنا بالفعل معرفة موثوقة عنها.

فكلمة «الله»، مثلاً، تشير إلى فاعل محوري في الأحداث الكتابية، لكنها لا تخبر الباحث بذاتها ما طبيعته، وما قدراته وحدوده، وكيف يتفاعل مع العالم المادي. وتقدم التقاليد اللاهوتية إجاباتها الخاصة عن هذه الأسئلة، لكن البحث الوظيفي لا يستطيع أن يعتمد تلك الإجابات تلقائياً بوصفها الخصائص الأصلية لذلك الفاعل. وإلا قام التحليل على افتراضات كان ينبغي فحصها أولاً.

لنفترض أن الله كيان ينتمي إلى واقع آخر، ولا يستطيع التفاعل مع عالمنا إلا في شروط معينة. عندئذ قد تكون طرائق ظهوره غير المعتادة، والحاجة إلى أماكن خاصة أو وسطاء، والقيود المفروضة على الاتصال، وخطر الحضور المباشر، ناتجة عن خصائص التفاعل بين بيئتين مختلفتين. وقد يكتسب النار والسحاب والصوت وغير ذلك من المظاهر معنى وظيفياً محتملاً يختلف كثيراً عن التفسير اللاهوتي التقليدي.

هذه إحدى فرضيات نظرية BON، لكنها لا ينبغي أن تصبح مقدمة مفروضة على الإعداد الأولي للنص. ففي تلك المرحلة لا نعرف بعد من هو الله أو ما طبيعته، ولماذا يقوم بأفعال محددة، وما سبب قيود الاتصال. ويستخلص المنهج الأفعال الموصوفة وشروط وقوعها ونتائجها، مع إبقاء مسألة طبيعة الفاعل مفتوحة. وبعد ذلك فقط يمكن مقارنة النماذج المختلفة، ومنها فرضية كيان من واقع آخر.

إن ترتيب البحث حاسم. فإذا بدأنا بتعريف جاهز، فإنه سيحدد مسبقاً التفسيرات التي نعدها مقبولة لاحقاً. أما إعداد المادة أولاً فيتيح النظر في مجموعة أوسع من الأسباب الممكنة، من دون إعلان إثبات أي منها قبل التحليل.

ومع ذلك لا ينبغي فهم التنقية الأولية على أنها برهان على خطأ جميع التفسيرات التقليدية. فالمؤرخون وعلماء النصوص وباحثو الأديان يدرسون منذ زمن بعيد تغيرات النصوص القديمة ومصادرها وتحريرها وسياقاتها الثقافية. ولهذه الأعمال قيمة مستقلة، وقد توفر معلومات أساسية للتحليل الوظيفي. ويكمن اختلاف مقاربتي أساساً في السؤال الذي تبدأ منه: لا ينبغي اعتبار طبيعة الأطراف والأشياء الموصوفة أمراً معلوماً لمجرد أن أسماءها اكتسبت منذ زمن معاني مقبولة على نطاق واسع.

فالسؤال «ماذا تعني هذه الصورة؟» ليس بالضرورة هو السؤال «ما الذي يمكن أن يكون قد وُصف في الأصل؟». والسؤال الثاني هو الذي يوجه إعادة البناء الوظيفية.

من الأحداث المنفردة إلى العمليات الممتدة عبر آلاف السنين

لا يمكن أن تقتصر دراسة الكتاب المقدس على إعادة بناء أفعال منفردة أو أشياء غير مألوفة. فالسرد الكتابي يغطي فترات زمنية هائلة، تتشكل خلالها شعوب، وتُسن قواعد، وتنشأ مؤسسات اجتماعية، وتتغير أشكال التنظيم، وتقع أزمات. ويمكن دراسة كل حدث على حدة من حيث سياقه التاريخي أو معناه الديني أو خصائصه الأدبية. كما توجد مقاربات لاهوتية وعلمية تتناول الكتاب المقدس بوصفه تركيباً كلياً. ومع ذلك يمكن طرح مهمة أخرى: دراسة تسلسل الأحداث المروية بوصفه عملية طويلة لتطور نظام معقد.

فتاريخ تشكل الشعب المختار، مثلاً، لا يقتصر على عهود منفصلة وهجرات وحروب وفترات حكم ومنافي. بل يمكن تتبع التغيرات في التنظيم الداخلي، وظهور القواعد والمؤسسات، وتعزيز آليات الحفاظ على الجماعة، والتفاعل مع الشعوب المحيطة، والتحولات الناجمة عن الأزمات. ولا تكمن الأهمية في معرفة سبب وقوع حدث بعينه فحسب، بل أيضاً في معرفة الدور الذي أداه في تطور النظام ككل.

ويحظى التفاعل بين الدوائر الداخلية والخارجية باهتمام خاص. ففي داخل الشعب تتشكل قواعد السلوك، وأشكال التنظيم، وآليات نقل التقليد والمحافظة على الاستقرار. وخارجه تعمل شعوب ودول وقوى سياسية أخرى، فتخلق تهديدات وفرصاً وقيوداً. وتؤثر تغيرات البيئة الخارجية في البنية الداخلية، بينما تحدد القرارات داخل النظام طابع علاقته بمحيطه. وقد تؤدي دراسة هذه العمليات منفصلة إلى فقدان روابط سببية لا تظهر إلا عبر فترات زمنية طويلة.

ويمكن استخدام نماذج علمية معروفة لتطور المنظمات والأنظمة المعقدة في دراسة هذه التسلسلات، بما فيها مراحل التكوين والنمو والنضج والأزمة والتحول. لكن التشابه مع نموذج ما لا يثبت وحده أن العملية التاريخية كانت مخططة مسبقاً أو موجهة من الخارج. بل يجب اختبار مدى توافق الأحداث، والنظر في التفسيرات البديلة، وتحديد مدى قدرة النموذج المختار على تفسير الأنماط الملاحظة بالفعل.

وهنا يتضح بصورة خاصة الفصل بين إعداد المادة والتحقيق اللاحق. فمنهج البقايا الوظيفية والشذوذات الارتكازية لا يكتشف تلقائياً دورة حياة الشعب ولا يفسر أسباب تكونه. إنه يهيئ أوصاف الأفعال والتغيرات، محاولاً تقليل الافتراضات التفسيرية قدر الإمكان. وبعد ذلك يستطيع التحليل التاريخي والنُّظمي والتنظيمي وغيره استخدام هذه المادة لدراسة العمليات الطويلة وروابطها الداخلية والخارجية.

وبذلك لا يصبح موضوع إعادة البناء مقتصراً على الحلقات الكتابية المنفردة، بل يشمل أيضاً تسلسلات تمتد قروناً وآلاف السنين. ويمكن النظر إلى التاريخ كله بوصفه مجموعة عمليات مترابطة، تنتج فيها أفعال المشاركين نتائج تؤثر في التطور اللاحق. وعلى هذا المقياس قد تكتسب حلقة واحدة معنى لا يظهر عندما تُدرس بوصفها موعظة أخلاقية مستقلة أو تقليداً تاريخياً أو صورة لاهوتية فحسب.

من المادة المعدة إلى إعادة البناء

بعد الإعداد الأولي للمادة الكتابية تبدأ مرحلة بحث مستقلة. تُقارن الأفعال والوظائف والشروط والشذوذات المستخلصة، وتُدرس علاقاتها السببية وتسلسلها، وتُختبر التفسيرات الممكنة. ويمكن الاستفادة من معارف التاريخ وعلم الاجتماع ونظرية المنظمات وعلم النفس والأحياء والهندسة وغيرها عندما تساعد فعلاً على دراسة مسألة محددة.

وقد قادتني هذه المقاربة إلى اقتراح إعادة بناء وظيفية للسرد الكتابي تختلف كثيراً عن التفسيرات المعتادة. وفي إطارها تُدرس الآلهة المذكورة في الكتاب المقدس بوصفها كيانات من طبيعة مختلفة، تتفاعل مع العالم المادي في شروط محددة. وتظهر عدن باعتبارها بيئة هندسية منظمة خصيصاً، وتغدو الأفعال المرتبطة بها جزءاً من عملية تغيير الإنسان وإعداده. ويُحلل تاريخ الشعب المختار بوصفه تطوراً طويلاً لنظام خاضع للإدارة، له آليات تنظيم داخلية ودوائر تفاعل خارجية.

كما تُدرس أحداث العهد القديم والعهد الجديد اللاحقة، بما فيها نشاط يسوع والرؤيا، في سياق تسلسل عام للأفعال والتغيرات والنتائج. وفي هذا النموذج تكف الحلقات الكتابية عن كونها قصصاً منعزلة، ويصبح من الممكن بحثها عناصر ضمن عمليات أطول. ومع ذلك لا تُتخذ وحدة السرد دليلاً بحد ذاتها على وجود إدارة موحدة؛ بل ينبغي لطبيعة الروابط الوظيفية والسببية أن تبين مدى وجاهة هذا الافتراض.

إعادة البناء الناتجة فرضية يطرحها المؤلف. وهي لا تثبت وجود BON بوصفه حقيقة مؤكدة علمياً، ولا تحول الافتراضات عن طبيعة الأشياء الكتابية إلى أدلة تاريخية. وتكمن أهميتها في محاولة دراسة الأحداث بصورة منهجية انطلاقاً من نقطة مختلفة: ألا تُعد التعريفات الموروثة معرفة كاملة بالواقع، بل تُستخرج أولاً الخصائص القابلة للتحليل ثم تُبحث تفسيراتها.

الكتاب المقدس لـBON: نتيجة البحث

أصبح هذا العمل أساس مشروع «الكتاب المقدس لـBON». ويعرض الكتاب غير الروائي إعادة البناء وحججها ومقارناتها وفرضيات المؤلف. أما السلسلة الروائية فتتصور كيف كان يمكن أن يتطور التاريخ الكتابي لو اعتُمد النموذج المقترح للأحداث والفاعلين.

أنا لا أقترح ديناً جديداً، ولا أدعي أنني فككت رموز الكتاب المقدس بصورة نهائية. إنما أريد أن أبين أن البحث في نص قديم يمكن أن يبدأ بسؤال مختلف. فقبل تفسير الحدث ينبغي أن نحاول التمييز بين المعلومات المتعلقة بالأفعال والتفسيرات التي نشأت أثناء نقل الرواية وتأويلها. وبعد ذلك يمكن دراسة المادة المعدة لا باعتبارها حلقات منفصلة فحسب، بل أيضاً بوصفها وصفاً لعمليات معقدة تمتد عبر أجيال كثيرة.

والنتيجة إعادة بناء وظيفية غير مألوفة للتاريخ الكتابي، من طبيعة الآلهة وبنية عدن إلى تشكل الشعب المختار وأحداث الرؤيا. ويمكن اختبار استنتاجاتها ونقدها ومقارنتها بتفسيرات أخرى. لكن مجرد إمكان طرح هذه الأسئلة يدعونا إلى النظر من جديد إلى نصوص كتابية نظن أننا نعرفها جيداً.

صدقوني، لم تروا الكتاب المقدس بهذه الطريقة من قبل.

Publish modules to the "offcanvas" position.